سهيلة عبد الباعث الترجمان
588
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
عاناها ، وهو في زبيد ، حيث تحول عقله النسبي المحدود باتحاده مع الحق ، أي اللّه تعالى ، إلى عقل مطلق كليّ ، لا يحدّه زمان ولامكان « 1 » . ورغم الخلاف بين الجيلي وابن عربي حول بعض القضايا فقد أفاد من أسلوبه ، ونظر إلى الأشياء من زاوية مشابهة ، وتحرك فكره في عين دائرة الأخيلة الصوفية التي تحاول أن تظهر بالشكل المنطقي ، فإذا كان الجيلي قد تابع ابن عربي في تصوره للوجود وتحليله لفكرة الوحدة لهذا الوجود ، إلّا أنه أكثر عمقا منه ، فلا يقع في متناقضات مثله ، وإن كان سلفه أكثر اختصارا ووضوحا وتنظيما . وعلى ذلك فهو أدنى إلى الأصالة والابتكار من التقليد والمتابعة وإن كان الخلاف بينهما في الشكل لا في المضمون « 2 » . فيكون الجيلي والحال كذلك صاحب مذهب في التصوف ، ومذهبه قائم على الوحدة الكاملة بين الحقائق الوجودية جميعها . وقد ترتب على هذه القضية الهامة في مذهبه ودورها الفعّال قضية أخرى هامة ، لعبت الدور الأكبر في تفصيلات مذهبه ، وهي فكرة " الإنسان الكامل " أو " الحقيقة المحمدية " فوحدة الوجود لدى الجيلي إذن هي نقطة ابتداء ينطلق منها ، كما يحاول أن يطبق هذا المبدأ الواحدي على كل مجالات تصوفه بحيث يبدو مذهبه متكاملا متماسكا بين جميع أجزائه . وهكذا يمكن القول أن الجيلي ينتمي إلى مدرسة في التصوف تقول بالوحدة الكاملة للوجود ، وهو لا يخرج في مذهبه هذا عما يقصد به الصوفية من أن العالم نسيج واحد ، وأن الذات الإلهية مبثوثة في العالم ، متجلية فيه ، وتعدد الموجودات أو المفهومات فيه على هذا الشكل وبالنسبة لهذا المذهب لا تعني تعدد الماصدق ، بل إن الذات واحدة ، وقد حددها الجيلي بقوله بأنها : " الأمر الذي تستند إليه الأسماء والصفات في عينها لا في وجودها " « 3 » . فيكون تعدد الصفات على هذا النحو تعدد اعتباري فقط
--> ( 1 ) قمر كيلاني ، في التصوف الإسلامي ، بيروت ، 1962 ، ص 107 . ( 2 ) T . Burck hardt , DEL , homme universel , ABD AL - KARIM AL - JILI . Fascicule II T . Alger , Lyon , 1953 , P . I . . ( 3 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 13 .